محمد ابو زهره

516

خاتم النبيين ( ص )

دينهم ، وجحود بالحق . ولقد كان صلى اللّه تعالى عليه وسلم حريصا على منع القتال حتى عند أخذ الأهبة ، فهو يقول لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن قائدا : « لا تقتلوهم حتى تدعوهم ، فإن أبوا فلا تقاتلوهم ، حتى يبدأوكم ، فإن بدأوكم ، فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ثم أروهم ذلك ، وقولوا لهم : هل إلى خير من هذا سبيل ، فلأن يهدى اللّه على يديك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت » . ونجد من هذه الوصية أن نية السلم قائمة والجيشان قد تلاقيا ، فالقائد المسلم لا يقاتلهم إلا بعد أن يدعوهم إلى العهد الذي يكون فيه تأمين حرية الدعوة ، ثم هو لا يبدأ القتال ، بل يتركهم يبدأون القتال ، وحتى بعد هذا البدء لا يقاتلهم حتى يقتلوا فعلا ثم يبين لهم العبرة في ذلك الدم الذي أراقوه ظلما وعدوانا ، فإن لم يعتبروا لم يبق إلا السيف ليحكم بأمر اللّه بينه وبينهم واللّه خير الفاصلين . في المعركة : 355 - والرفق ملازم المعركة ذاتها ، كما كان في ابتدائها ، ذلك أنها حرب نبوة ، وليست مغالبة ولا تناحرا ، ولقد قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم في وصف دعوته وحربه : « أنا نبي المرحمة ، وأنا نبي الملحمة » ، وفي الحق أن المرحمة والملحمة متلاقيتان ، فما كانت الملحمة إلا لأجل المرحمة ، إذ الرحمة الحقيقية في هذا العالم هي في قطع الفساد ومنع الشر ، وإذا كانت الملحمة فقد تعينت سبيلا للمرحمة . وإنه كان يصاحب حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عند ابتداء المعركة العمل على تأليف القلوب حتى وقد اشتجرت السيوف ؛ ولذلك يوصى عليه الصلاة والسلام جنده وقد أرسلهم للقتال بقوله : « تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل مدر أو وبر أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم » . هي حرب رفيقة تتسم بالتأليف ، لا بالتقتيل ، وبالمحافظة على الأنفس والرجال إلا أن تكون ضرورة ملجئة ، فقد كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يوصى بألا يقوم الجيش بإتلاف زرع أو قطع شجر أو قتل الضعاف من الذرية والنساء ، والرجال الذين ليس لهم رأى في الحرب ، ولم يشتركوا فيها بأي نوع ، ومن ذلك قوله في إحدى وصاياه :